دور الطب العربي في مقاومة الأوبئة وإجراءات الحجر الصحي في أوروبا دكتورة سحر محمد عوض الزيني

دور الطب العربي في مقاومة الأوبئة وإجراءات الحجر الصحي في اوربا

د/سحر محمد عوض الزيني

دكتوراة في الجغرافيا الطبية

 


بمناسبة ما يمر به العالم من إجراءات تتعلق بانتشار وباء كورونا وما يسببه من رعب وهلع اتقدم لحضراتكم بهذا المقال الذي يوضح دور العرب فى ذلك منذ مئات السنين ، حيث لعب الطب العربي دورا مهما في الحضارة الأوربية ، ففى الوقت الذى كانت فيه أوربا تغرق في ظلمات الجهل والمرض والتخلف في العصور الوسطى ، وتعانى من الأوبئة والأمراض المعدية الفتاكة كان العرب أسبق منهم فى طرق مقاومة الأوبئة وإجراءات الحجر الصحي ويطالعنا التاريخ من خلال الوثائق والآثار بهذا الدور ، وهذه نبذة عن ابرز إنجازات الطب العربي التى عرفتها أوربا باتصالها بالمراكز العلمية والثقافية العربية ، وذلك من خلال طرق ثلاثة هى : –

(1) طريق الاندلس ، حيث كان لفتح العرب للاندلس عام 92 هجرية/ 711م أكبر الأثر فى إحداث نهضه علمية كبرى وأثر ثقافي ، وكانت مراكزها مدينة قرطبة، وغرناطة، واشبيلية، وطليطلة، ومرسية ، واستمرت هذه المراكز تعطي بلا قيود ، حتى بعد سقوط غرناطة 1492م ، وكان كل من يرغب من الاوربيين فى المعرفة يتم نقله إما بالترجمة من العربية أو التلمذة على أيدى الأطباء العرب ، وبسقوط مدينة طليطلة في يد الجيوش المسيحية أصبحت ضمن مملكة أرجون وقشتاله عام 1212م وانتقلت كنوز الفكر والعلم والثقافة منها لأوربا، وانتشرت المعارف والعلوم تدريجيا الى المناطق المتخلفه في اوربا.

(2) طريق صقلية التى كانت في ايدى العرب وسقطت هى الأخرى في ايدى النورمانديين (قبائل جاءت من السويد والنرويج) عام 1060م، وأسسوا فيها مملكة ضمت جنوب إيطاليا، وقد ظهرت بهذه المملكة مراكز علمية وثقافية كبرى مثل باليرمو بصقلية وسالونو على خليج نابولى بايطاليا، وبفضل تشجيع ملوك النورمان ضمت هذه المراكز العلمية كثير من علماء العرب واللاتينيين والبيزنطيين الذين عملوا في جميع فروع العلم وخاصة الطب ، فالمدارس الطبية الأولى ولدت على شواطئ البحر المتوسط،

(3) واخيرا عن طريق الحروب الصليبيه التي شنها الأوربيون على بلاد المسلمين في سبع حملات امتدت من 1096- 1291م، أقاموا خلالها ممالك واستقروا فيها مثل مملكة بيت المقدس وانطاكيا وطرابلس والرها، وقد اتاح لهم هذا وسيلة انتقال المعارف والعلوم الاسلامية من مراكزها القريبه كبغداد ودمشق والقاهرة.

ومن اشهر مؤلفي الطب العربي في تلك الفترة ابو بكر الرازي (925 – 849 م) وقد الف كتاب “الحاوي” في جميع فروع الطب وظهر في ثلاثين جزءا، وأحد الشواهد على تأثير الرازي في أوربا نجده في إعادة طبع أعماله المترجمة حوالى 40 مرة فيما بين( 1498 -1866م)، وهذه المؤلفات تحتوى أجزاء خصصت للامراض المعدية مثل الجرب والسل والجزام التى كانت منتشرة آنذاك ، وفي مستشفاه التي أسسها على مبادئ التجربه قسم المرضى الى مجموعتين لتجنب انتشار المرض، وهناك ابن سيناء (980- 1037م)، الذى ألف كتاب القانون فى الطب ويعد موسوعة في جميع فروع الطب بأجزائه الخمسة، حيث يحتوى على فصول عن الحميات تداولها العديد من الأطباء في كافة أرجاء العالم الاسلامى ومنها الأندلس، وهناك أبو القاسم الزهراوي (936- 1013) أكبر المتخصصين في علم الجراحة وله كتاب ظهر في ثلاثين جزءا في الجراحة بأقسامها. وهناك المؤرخ الطبيب ابن الخطيب (1313-1379م) رجل الدولة الأندلسي الذى ولد بغرناطة، وقد استخدم مفهوم الوباء نتيجة العدوى ، وهو المفهوم الذي انتشر في اوروبا في العصور الوسطى، حيث أتيح له متابعة أمراض الجدرى، الكوليرا، الطاعون، وقد ترك وصفا دقيقا للطاعون الكبير الذي حدث في أوربا 1347م، فقد كان معاصرا لهذا الطاعون وشاهدا عليه ، وتكلم في رسالته عن طرق العدوي بين البشر وطرق انتقاله من بيت لآخر وطرق انتقاله في المدن الساحلية عن طريق السفن، وذكر أن إجراءات الوقاية تتطلب عزل المريض وعدم زيارته، وعزل المنطقة المصابة بالمرض عن بقية الاقليم، وشدد على رقابة السفن القادمة من البلاد المصابة، وهي نفس اجراءات الحجر الصحي التي طبقت 1450م، وغيرهم من الاطباء العرب كثير، فقد كان الأطباء العرب على دراية تامة منذ القرن العاشر الميلادى بالأمراض المعدية والوبائية وطرق مقاومتها مثل الحجر الصحي وعزل المرضى وان فكرة الحجر الصحى كان مصدرها الطب العربي الذي كان له مراكز في الشرق في بخارى، بغداد، دمشق، القاهرة، وفي الغرب من القارة الاوربيه في مدن الأندلس الإسلامية.

وهكذا عرفت المجتمعات الاوربية إجراءات التعامل مع الأوبئة بعد كارثة الطاعون الأولى في اوربا عام 1347م، و ظهرت أول إجراءات لمقاومة المرض عام 1374م حيث تم عزل المدن المصابة، وبحلول عام 1450 اي خلال مائة عام فقط طبقت إجراءات وقائية للحد من انتشار الطاعون في مدن الشمال الايطالى (فلورنسا ، ميلانو) ، عرف بالحجر الصحي بإجراءاته الخمسة وهى:

(1) تحديد انتقال البشر باستخدام الحجر الصحى ،

(2) دفن اجباري للموتى بالطاعون في حفر خاصة وتغطيتها بالجير الحي والتخلص من متعلقاتهم الشخصية،

(3) عزل المرضى بالطاعون في مستشفيات الامراض المعدية .

(4) فرض ضرائب من قبل الوحدات المحلية لتقديم الخدمات الصحية .

(5) تقديم المعونة للذين تضرروا من الوباء، كما أقيمت أول بناية مخصصة للأمراض المعدية في جنوا بعد طاعون (1499\1501م).

من العرض السابق يتضح لنا أن العرب هم اول من قاموا بالحجر الصحى قبل أوربا ، للحفاظ على صحة المرضى والحرص على عدم انتقال عدواها لتصيب السكان ، وانهم نجحوا فى ذلك سواء فى عزل المرضى المصابين بالامراض المعدية أو عزل المنطقة المصابة عن بقية الإقليم

شفاكم الله وعافاكم